القرطبي

232

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقبكم فتنقلبوا خاسرين ( 149 ) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ( 150 ) لما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء حذر طاعة الكافرين ، يعني مشركي العرب : أبا سفيان وأصحابه وقيل : اليهود والنصارى . وقال علي رضي الله عنه : يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى دين آبائكم . ( يردوكم على أعقابكم ) أي إلى الكفر . ( فتنقلبوا خاسرين ) أي فترجعوا مغبونين . ثم قال : ( بل الله مولاكم ) أي متولي نصركم وحفظكم إن أطعتموه . وقرئ " بل الله " بالنصب ، على تقدير بل وأطيعوا الله مولاكم . قوله تعالى : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ( 151 ) نظيره " وقذف في قلوبهم الرعب " ( 1 ) . وقرأ ابن عامر والكسائي " الرعب " بضم العين ، وهما لغتان . والرعب : الخوف ، يقال : رعبته رعبا ورعبا ، فهو مرعوب . ويجوز أن يكون الرعب مصدرا ، والرعب الاسم . وأصله من المل ء ، يقال : سيل راعب يملا الوادي . ورعبت الحوض ملأته . والمعنى : سنملأ قلوب المشركين ( 2 ) خوفا وفزعا . وقرأ السختياني " سيلقي " بالياء ، والباقون بنون العظمة . قال السدي وغيره : لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا : بئس ما صنعنا ! قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد ( 3 ) تركناهم ، ارجعوا فاستأصلوهم ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به . والالقاء يستعمل حقيقة في الأجسام ، قال الله تعالى : " وألقى الألواح " [ الأعراف : 150 ] ( 4 ) " فألقوا حبالهم وعصيهم " [ الشعراء : 44 ] " فألقى موسى عصاه " [ الأعراف : 107 ] . قال الشاعر : * فألقت عصاها واستقر بها النوى *

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 3 . ( 2 ) في د وج‍ وه‍ : الكافرين . ( 3 ) في د : الشديد . ( 4 ) راجع ج 7 ص 288 و 256 وج‍ 13 ص 97 .